معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 22 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 22

وظل يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر للفكرة، ثم استدعى زيدا، ووصفه بأنه شاب عاقل لا تيتهم، وأنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب إليه أن يتتبع القرآن فيجمعه. ولم يكن تردد أبي بكر إنكارا للحاجة إلى حفظ القرآن، بل كان متعلقا بكون الإجراء الجديد لم يقع في حياة النبي، ولذلك احتاج إلى اجتهاد الصحابة في مشروعيته ومصلحته، كما أن ثقل المهمة ظهر في جواب زيد حين قال إن تكليفه نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليه من هذا الأمر، ثم قبلها بعد أن شرح الله صدره كما شرح صدر أبي بكر وعمر.

وبدأ زيد يتتبع القرآن ويجمعه من العسب، وهي جريد النخل، ومن اللخاف، وهي الحجارة الرقاق، ومن صدور الرجال، كما تذكر رواية البخاري، فكان الجمع توحيدا لما كان مكتوبا ومحفوظا في مادة جامعة، لا إنشاء ء لنص جديد ولا ادعاء ء بأن القرآن لم يكن محفوظا عند الصحابة. وتورد الرواية أنه وجد خاتمة سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، ولم يجدها مع غيره في ذلك الموضع، ثم اكتملت الصحف، فبقيت عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر مدة حياته، ثم صارت إلى حفصة بنت عمر. و يجب هنا التفر يق بين هذا الجمع الأول وبين عمل عثمان بن عفان بعد ذلك.

إذ كان جمع أبي بكر حفظا لمادة القرآن في صحف جامعة بعد أثر اليمامة، بينما ارتبط عمل عثمان بما ظهر من اختلاف القراءات ووجوه الأداء بين الأمصار واتساع الدولة، فكانت له وظيفة أخرى في نسخ المصاحف وتوحيد القراءة الكتابية المرسلة إلى الأقاليم. كما لا يصح تحو يل اختلاف الباحثين في بعض تفاصيل الإجراءات إلى إنكار لأصل الرواية، ولا يصح في الوقت نفسه إدخال شروط تفصيلية لا ينص عليها الحديث، بل يثبت ما ورد فيه من 22 ✦ ✦