غير أن التحليل الحديث ينبه إلى أن الأخبار التي وصلت عن دعواه صيغت في طبقات سردية متأخرة، وأن صورة «الكذاب» وتفاصيل الأقوال والكرامات تأثرت بسياقات الجدل حول النبوة والسلطة والبدعة، ولذلك يثبت السرد أصل ظهوره واتساع أتباعه، و يعرض التفاصيل المنقولة بصيغة الرواية لا بصيغة الخبر القطعي.
ولم يكن التفاف بني حنيفة حوله بالضرورة تعبيرا عن اعتقاد واحد عند جميع أفراد القبيلة، فقد اجتمع في الحركة العامل الديني كما تصفه المصادر، والعامل السياسي المتصل بقيادة اليمامة، والرغبة في إبقاء القرار داخل الإقليم، والتوتر من انتقال الجباية والطاعة إلى المدينة، كما أن قوة بني حنيفة وتنظيمهم الزراعي والقبلي جعلا الحركة قادرة على الصمود بعد وفاة النبي. وبذلك أصبحت اليمامة من أخطر الجبهات، إذ ارتبطت بمسيلمة وبشبكة قبلية قو ية، ولم يكن القتال معه مجرد مواجهة بين مجموعة صغيرة وجيش المدينة، بل كان صراعا على إقليم واسع وعلى مورد بشري وزراعي وعلى معنى السلطة في وسط الجزيرة. بدأ أبو بكر بإرسال عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسيلمة.
ثم أتبعه بشرحبيل بن حسنة، وتذكر الروايات أن عكرمة استعجل المواجهة فلم ينجح في حسمها، وأن شرحبيل توقف منتظرا توجيها أو مددا، فغضب أبو بكر من ترتيب الحملة وأعاد تنظيم القيادة، ثم وجه خالد بن الوليد إلى اليمامة بجيش أكبر، ولم تكن هذه التحركات متطابقة في كل مصدر، كما تختلف الروايات في الزمن والمسافة ومواضع تجمع الجند. ولما اقترب خالد من اليمامة نزل جيش مسيلمة بعقرباء، ووقعت المعركة في أول الأمر على صورة صدام شديد