عثمان اليوم هو النسخة التي خرجت من لجنة المدينة. وتفصل المقارنة بين الرواية الحديثية التي تثبت أصل الإجراء، وعلوم القرآن التي تشرح الرسم والقراءات، والدراسات الأكاديمية التي تبحث في المخطوطات وتاريخ النص، فلا تجعل اختلاف المناهج دليلا على إسقاط أصل الخبر ولا على إثبات كل تفصيل.
وبهذا عملت اللجنة في منطقة تلتقي فيها الكتابة بالحفظ واللسان بالتلقي، فكان زيد بن ثابت محورا في الرواية، وشارك معه ثلاثة من قريش، واستندوا إلى صحف حفصة، ونسخوا مصاحف رسمية، ثم أرسلوها إلى الأمصار مع استمرار التعليم. أما وظائف الأعضاء الدقيقة، وعدد النسخ، ومدة العمل، ومصير كل مصحف شخصي، وصيغة الإزالة وحدودها، فتبقى مسائل متفاوتة الثبوت، ولا تضاف إلى السرد إلا بقدر ما تقو يه الروايات المبكرة والمقارنة العلمية.
وبعد أن فرغت اللجنة من النسخ بدأت مرحلة إخراج المصاحف من المدينة إلى مراكز الدولة، ولم يكن المقصود أن يحمل كل فرد نسخة مطابقة، بل أن يكون في كل مصر كبير مصحف يرجع إليه الناس عند اختلاف الكتابة أو التعليم. وتذكر الرواية العامة أن عثمان أرسل إلى كل أفق أو مصر مصحفا، غير أن لفظ الأفق واسع، ولا يساوي قائمة محددة بأسماء المدن، ولذلك تعرض الروايات التفصيلية دون أن تجعلها متفقة على ترتيب واحد.
فتذكر القوائم المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام، وتضيف روايات مصر أو اليمن أو البحرين، كما تذكر مصحفا بقي في المدينة أو مصحفا كان مع عثمان، وتختلف في كون النسخة التي بقيت في المدينة هي الأصل أو إحدى النسخ المنسوخة. وكان اختيار هذه المراكز