القراءة التي تلقاها الناس تتداخل مع اختلاف اللهجات وطرق التعليم والكتابة. ولم يكن كل اختلاف اختلافا في أصل القرآن، لأن بعضه يرجع إلى وجوه الأداء واللسان، وبعضه إلى الرسم الذي لم يكن قد اكتمل فيه النقط والشكل، لكن اجتماع الجند في الحملات جعل الخلاف أكثر ظهورا وأشد قابلية للنزاع.
وتربط الرواية المشهورة ظهور مشروع عثمان بحذيفة بن اليمان، إذ تذكر أنه كان في حملة بأرمينية أو أذربيجان، فرأى أهل الشام وأهل العراق يختلفون في القراءة، وربما خطأ بعضهم قراءة بعض، فخشي أن يتسع النزاع في الكتاب كما اختلفت الأمم السابقة في كتبها. ثم رجع إلى المدينة ورفع الأمر إلى عثمان، وتختلف الأخبار في تحديد الحملة وفي سنتها وفي موضعها، فلا يثبت اسم أرمينية أو أذربيجان على أنه تفصيل قطعي إذا لم تتفق عليه الروايات.
وكانت لدى حفصة بنت عمر الصحف التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، بعد أن خشي الصحابة ذهاب شيء من المكتوب باستشهاد القراء، فجمع زيد بن ثابت ما تفرق من الرقاع والعسب واللخاف وما حفظه الرجال، ثم بقيت الصحف عند أبي بكر، وانتقلت بعد وفاته إلى عمر، ثم إلى حفصة. فطلب عثمان هذه الصحف لتكون أصلا للنسخ، ولم يكن مشروعه ابتداء جمعا من الذاكرة وحدها، بل اعتمد على مادة مكتوبة محفوظة في بيت حفصة مع مراجعة أهل القراءة.
وأمر عثمان زيد بن ثابت بالنسخ، وذكرت الروايات معه عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهم الثلاثة القرشيون الذين تذكرهم الرواية الأشهر، كما