ولا يجوز أن تجعل أزمات خلافة عثمان اللاحقة نتيجة لازمة للحظة الاختيار وحدها، لأن بين البيعة وبين الاعتراضات اللاحقة أعواما تغيرت فيها الولاة والفتوح والعطاء وعلاقات القبائل والأمصار. ومع ذلك ترك الاختيار أثرا في تصور الشرعية، إذ ظل أنصار كل اتجاه يعودون إلى سؤال الشرط والبيعة وموقف علي وعبد الرحمن، فصارت الحادثة جزءا من الذاكرة السياسية لا مجرد إجراء انتهى بإعلان الخليفة.
وبذلك يفصل السرد بين انتقال المجلس من ستة إلى ثلاثة، وتنازل المرشحين، وانفراد عبد الرحمن بالمشاورة، ونص السؤال المختلف فيه، وإعلان اختيار عثمان، والبيعة الخاصة، والبيعة العامة، كما يفصل بين ثبوت هذه المراحل إجمالا وبين تفاصيل الحوارات وقوائم المستشارين. فلا تنقل الرواية السنية وحدها بوصفها محضرا محايدا، ولا تنقل الرواية الشيعية الجدلية وحدها بوصفها شهادة معاصرة، بل يعرض الإجراء ومصادره وتفسيراته في سياقها.
بدأ عثمان بن عفان خلافته بعد البيعة سنة 23ه644/م، وتختلف الروايات في اليوم والشهر ونص خطبته الأولى وترتيب المبايعين ومكان إعلان البيعة، غير أن انتقال السلطة تم، وصار عثمان الخليفة الذي تصدر عنه الكتب إلى الأمصار وتنفذ أوامره في الجيش والمال والقضاء. ولم تكن البيعة الخاصة داخل مجلس الشورى هي كل المشهد، بل تلتها بيعة عامة ثبتت سلطته أمام أهل المدينة، ولذلك يفرق السرد بين قرار عبد الرحمن بن عوف وبين اجتماع الناس على الخليفة الجديد.