وقبل أن تتحول هذه الأسئلة إلى حملات واسعة، كان على أبي بكر أن يثبت مركز المدينة نفسه؛ فاستمرت الصلاة والقضاء وتدبير المال، وظلت البيعة بحاجة إلى ترجمتها في صورة أوامر ووظائف وجند ووسائل اتصال، ولم تكن هذه المؤسسات قد بلغت صورة الدواوين التي ظهرت في العصور اللاحقة، بل كانت امتدادا عمليا لما عرفته الجماعة في العهد النبوي مع إعادة توز يع المسؤوليات بعد وفاة النبي، ولذلك يختلف المؤرخون في مقدار ما يمكن نسبته إلى الأيام الأولى من تنظيم ثابت، ويتفقون على أن الخلافة واجهت ضرورة إبقاء المدينة مركزا للطاعة والجباية والقرار، لا مجرد مقر رمزي لخليفة مبايع.
ومن أول القضايا التي واجهت الخلافة قضية جيش أسامة بن زيد، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جهزه في أواخر حياته، وجعل أسامة قائدا عليه، وكان الجيش موجها إلى تخوم الشام، وقد طعن بعض الناس في إمارته لصغر سنه، فرد النبي بأن الناس كانوا قد طعنوا من قبل في إمارة أبيه زيد، وأن زيدا كان أهلا للإمارة، وأن أسامة من أحب الناس إليه بعد أبيه، فكان الدفاع عن القائد جزءا من تثبيت معيار الكفاءة في القيادة، لا مجرد مجاملة أسر ية. ثم أوقف الجيش خبر المرض والوفاة، فلما تولى أبو بكر رأى بعض الصحابة أن الظرف الجديد يجعل إرسال الجيش مخاطرة، لأن المدينة قد تتعرض لهجوم القبائل، ولأن المهاجرين والأنصار يحتاجون إلى قوة قريبة من مركز الدولة.
غير أن أبا بكر تمسك بإنفاذ الأمر الذي صدر في حياة النبي، واعتبر أن التراجع في أول أيام الخلافة سيظهر الدولة بمظهر العاجز، فخرج الجيش، مع بقاء الخلاف في عدد رجاله ووجهته الدقيقة ومدة حملته وطلب إبقاء بعض الصحابة، وأدى خروجه وظيفة عسكر ية ومعنو ية، 14 ✦ ✦