معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 13 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 13

وهكذا خرجت الجماعة من يوم الوفاة إلى مرحلة جديدة عبر مسارات متواز ية، فقد بقيت حرمة النبي وإتمام دفنه في مركز الوعي، وثبت أبو بكر الناس بالخطبة والبيعة، واجتمع الأنصار والمهاجرون على صيغة قيادة منعت قيام سلطتين في المدينة، غير أن هذه الصيغة لم تمح كل الخلافات ولا أوقفت اختلاف التأو يل، ثم ظهر أمام الخلافة تحدي القبائل والمرتدين، وتبين أن الدولة التي قامت في المدينة تحتاج إلى جيش وإدارة ومال وقيادة قادرة على الانتقال من الصدمة إلى الفعل، ومن هنا بدأت خلافة أبي بكر في ظرف لا يشبه ظروف الملوك الذين يرثون دولة مستقرة، بل في ظرف جماعة فقدت نبيها، وتنازعت على القيادة، ثم وجدت نفسها مطالبة بإعادة تثبيت الجزيرة كلها.

بعد البيعة العامة لم يكن استقرار أبي بكر في المدينة يعني أن الدولة استقرت في الجزيرة، فقد كانت السلطة النبوية قد جمعت قبائل وأقاليم مختلفة في زمن قصير، وكان بعضها قد دخل الإسلام عن اقتناع راسخ، وبعضها دخل في عهد سياسي مع المدينة، وبعضها كان يتابع ميزان القوة بين القبائل، فلما توفي النبي ظهرت أسئلة متعددة في وقت واحد، منها سؤال الزكاة، وسؤال الطاعة، وسؤال دعاوى النبوة، وسؤال حق المدينة في إرسال العمال وجمع المال، ولم تكن كل القبائل التي اضطربت على صورة واحدة، ولذلك سميت المرحلة في المصادر باسم حروب الردة، مع أن الوقائع التي دخلت تحت هذا الاسم تفاوتت بين ردة دينية صر يحة، وامتناع عن الزكاة، وتمرد قبلي، وصراع على الزعامة، وعودة إلى أنظمة سابقة على التوحيد السياسي للجزيرة.