معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 12 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 12

والشيعية صاغت صورتها ودورها بطرائق متباينة، وهو ما يقتضي التفر يق بين إعادة بناء الحدث وبين دراسة تشكل الذاكرة المذهبية.

وتتصل بذلك أخبار بني هاشم والزبير وسائر من نسب إليهم التأخر عن البيعة، غير أن القوائم التي توردها المصادر ليست متطابقة؛ فبعضها يذكر العباس والزبير وبني هاشم وسعدا، وتضيف روايات أخرى أسماء المقداد وسلمان وأبي ذر وحذيفة والبراء وغيرهم، ولا تثبت هذه الأسماء جميعا بدرجة واحدة ولا في توقيت واحد، ولذلك يفصل بين تأخر مؤقت بسبب الحزن أو العتاب أو الانشغال، وبين رفض مستمر لأصل البيعة، كما يفصل موقف علي عن موقف الزبير وعن موقف بني هاشم وعن مواقف بقية الصحابة، فلا يصح تحو يل رواية جزئية إلى إجماع، ولا تحو يل اختلاف المصادر إلى نفي مطلق لوقوع التأخر.

وفي هذه الأثناء لم يكن تجهيز النبي قد انتهى، ولم تكن المدينة قد فرغت من حزنها، فاجتمعت في الأيام التالية أعمال الدفن وتثبيت السلطة ومخاطبة الناس، ولم يكن انتقال القيادة أمرا شكليا، لأن القبائل خارج المدينة كانت تراقب ما سيحدث، ولأن جماعات امتنعت عن الزكاة أو اتبعت مدعي النبوة أو أعادت تفسير علاقتها بالمدينة، فكان على أبي بكر أن يواجه السؤال عن حدود الطاعة بعد وفاة النبي، وأن يميز بين قبيلة اضطربت بسبب صراع محلي، وقبيلة رفضت أداء الزكاة، وجماعة تبعت دعوى النبوة، وقوة رأت أن العهد الذي ربطها بالمدينة انتهى بوفاة صاحبه، ولذلك لم تكن الأزمة اللاحقة جبهة واحدة ولا سببا واحدا، بل مجموعة أزمات دينية وسياسية وقبلية ومالية تزامنت بعد وفاة النبي.