أضعفت حق علي وأدت إلى تقديم عثمان. وتدرس القراءات الأكاديمية توازن القوى بين قريش، وأهل البيت، والأنصار، والنخبة العسكر ية والإدار ية، واتساع الأمصار، وصلات المرشحين بالبيوت والقيادات، دون إسناد نتيجة لاحقة إلى قرار سابق بلا دليل.
وهكذا كان انتقال الخلافة بعد عمر واقعة تأسيسية في تاريخ الدولة، لأنها جربت للمرة الأولى اختيارا جماعيا محدد الأعضاء بعد أن كان أبو بكر قد اختير في ظرف السقيفة ثم عين عمر، ولأنها جعلت عبد الرحمن وسيطا بين مرشحين كبيرين، ثم أظهرت حدود الشورى حين لم تشمل جميع الأمصار بصورة مباشرة. ولا يجعل ذلك النتيجة حتمية من لحظة تشكيل المجلس، كما لا يجوز إلغاء اعتراض علي أو نقد الرواية الشيعية لمجرد أن السرد السني جعل البيعة معيارا كافيا، بل يعرض الوصف الإجرائي والحكم المذهبي كلا في موضعه.
ثم مات عمر سنة 23ه644/م بعد أيام من الطعن بحسب الروايات المشهورة، وفصلت مراسم دفنه عن عمل الشورى، ثم تحرك المجلس بين المرشحين، فتذكر الأخبار تنازل الزبير لعلي، وطلحة لعثمان، وسعد لأحد الرجلين، ثم تنازل عبد الرحمن بن عوف عن الترشيح وتولى إدارة المشاورة، وتختلف الروايات في ترتيب هذه التنازلات وفي صيغة الشروط، كما تختلف في عدد من استشيروا من أهل المدينة والمهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد، فلا تثبت قائمة واحدة بوصفها سجلا كاملا، بل يثبت أن عبد الرحمن حاول توسيع المشاورة ثم حصر الاختيار بين علي وعثمان.