معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 132 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 132

ومن ثم كان تنظيم الأمصار محاولة للجمع بين حاجتين؛ حاجة الدولة إلى جيش مستقر يمكن استدعاؤه سر يعا، وحاجة المدينة إلى مجتمع قادر على العيش والإنتاج والتموين. فالكوفة والبصرة والفسطاط لم تكن مجرد أسماء عسكر ية، بل مراكز تحولت فيها الخطط القبلية إلى أحياء، وتحول العطاء إلى مورد اجتماعي، وتحولت إقامة الجند إلى أسر وأسواق ومؤسسات، ثم ترك هذا التنظيم آثاره في السياسة اللاحقة دون أن يجعل نتائج القرون التالية حتمية منذ لحظة التأسيس.

ولم تخل هذه الإدارة من اعتراضات وشكاوى، غير أن كلمة الاعتراض تشمل أنواعا مختلفة لا يجوز جمعها في باب واحد. فقد يشكو أهل مدينة من مقدار الجز ية أو الخراج، أو يشكو جندي من ترتيب العطاء، أو يعترض عامل على عزله، أو ترى قبيلة أن غيرها قدم عليها في المنزلة أو المال، وهذه شكاوى إدار ية تتصل بالمصلحة اليومية ولا تعني بالضرورة رفض أصل الخلافة أو الخروج على الدولة.

وقد يقع الاعتراض على سياسة بعينها، مثل إبقاء أرض السواد خراجية بدل تقسيمها، أو عزل قائد مشهور، أو تشديد الرقابة على العمال، أو إخراج جماعة من بعض نواحي جزيرة العرب، أو تحديد شروط العهود مع أهل الذمة. و يختلف الحكم على هذه السياسات بحسب الرواية ومصدرها، فبعض الأخبار يعرضها اجتهادا لمصلحة الجماعة، وبعضها يذكر معارضة من صحابي أو قائد أو صاحب أرض، وبعضها صيغ في عصور لاحقة لتقرير حكم فقهي أو موقف سياسي.