معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 131 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 131

أما أجناد الشام فكانت مختلفة عن مدن العراق المستحدثة، إذ وزعت القوات على أقاليم عسكر ية ارتبطت بمدن وقرى وطرق وثغور، ولم يلزم أن تنقل كل قبيلة إلى مدينة جديدة بالطريقة نفسها التي ظهرت في الكوفة والبصرة. وكانت علاقة الجند بالسكان المحليين أكثر تشابكا في بعض المواضع، لأن الجيش أقام في بيئة زراعية ومدن قائمة، فاستفاد من مواردها وطرقها، واحتاج إلى تنظيم المؤن والضرائب والحماية دون إلغاء البنية المحلية دفعة واحدة.

وتفاوت موقع الموالي والسكان المحليين في الجند والعطاء والإدارة، فلم يكن نظام الموالي الأموي اللاحق قد استقر بصورته المعروفة في عهد عمر، كما أن إسلام شخص من أهل البلاد لا يعني تلقائيا مساواته في كل سجل عسكري أو مالي بجندي عربي سابق في الدولة. وقد دخل بعض السكان في أعمال الكتابة والزراعة والطب والتجارة والخدمة، كما ارتبط بعضهم بقبائل عربية بالحلف أو الولاء، لكن درجات الإدماج اختلفت بحسب الإقليم والوظيفة والمرحلة، ولا يصح رد كل تفاوت لاحق إلى قرار واحد صدر عند إنشاء المصر.

ونشأت في الأمصار مجالس للقبائل والقادة والقراء والأشراف، وكانت هذه الجماعات تتشاور في شؤونها وتدافع عن حقوقها في العطاء والقيادة والتموين، كما كان الوالي يحاول ضبط المنافسة حتى لا تتحول إلى انقسام يعطل الجند أو يهدد الأمن. وقد تظهر المنازعة بين جماعة وأخرى في التعيين أو العطاء أو الأولو ية، لكن ليس كل خلاف قبلي دليلا على عصبية سياسية مكتملة، لأن كثيرا منه كان مرتبطا بالمصلحة العسكر ية وبالمنافسة على الموارد.