ودخلت في هذه الأمصار قبائل من أصول متعددة، فاجتمعت جماعات من مضر وربيعة واليمن وغيرها، وامتزج القادمون من الحجاز ونجد وتهامة بالقبائل التي جاءت من اليمن أو استقرت في الشام، كما بقيت جماعات عربية أقدم في بعض المدن. ولا تسمح الروايات المتاحة دائما بتحديد عدد كل قبيلة أو مساحة خطتها، ولذلك يثبت وجود التوز يع القبلي وتعدد جماعاته، ولا يثبت الأرقام التي تذكر أحيانا عن الرجال والنساء والأطفال إلا إذا دعمتها قرائن مستقلة.
وكان استقرار النساء والأطفال عاملا مهما في تحول المصر من معسكر إلى مدينة، لأن الجند لم يعودوا يقيمون أياما ثم يرحلون، بل صار لهم بيت وسوق ومسجد ومخزن وموضع للدواب، واحتاجوا إلى الماء والمرعى والطعام والخبز. كما أن حضور الأسر جعل العلاقة بالسكان المحليين أكثر دواما، فدخل أهل البلاد في البيع والشراء والزراعة والنقل والخدمة، وظهرت صلات يومية لا تختصر في علاقة الجيش بالقر ية المفتوحة.
وارتبط العطاء بسجل الجند وبالسابقة والقرابة ومكانة الجماعة وبما استقر من ترتيب إداري، وتختلف الروايات في طريقة ترتيب الأسماء وفي مقدار ما يعطى لكل فئة، كما اختلف التطبيق بحسب المال المتوافر و بحسب حاجة الجند والثغور. وكان العطاء موردا يساعد الجندي وأسرته، لكنه لم يكن منفصلا عن التموين والأسعار، فإذا ارتفعت قيمة الطعام أو نقصت الماشية أو تأخرت المؤن انعكس ذلك على حياة المصر وعلى قدرة القائد على إبقاء الجند في مواضعهم.