معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 129 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 129

ومع اتساع الفتوحات لم تعد القبائل العربية موزعة في البادية وحدها، بل نشأت أمصار جديدة أو تحولت مواضع عسكر ية إلى مدن يعيش فيها الجند وأسرهم، وكان أبرز ذلك الكوفة والبصرة في العراق والفسطاط في مصر، بينما اتخذت بلاد الشام تنظيما مختلفا اعتمد على أجناد ومراكز قائمة ومدن ذات تاريخ سابق. ولم تكن هذه الأمصار نسخا متطابقة، لأن موقعها ومواردها وسكانها المحليين وصلتها بالثغور اختلفت من إقليم إلى آخر.

نشأت الكوفة في سياق الحاجة إلى مركز للقوات في العراق، فكانت قريبة من طرق القتال والإمداد، ثم استقرت فيها القبائل والجند والأسر والأسواق، كما نشأت البصرة في موضع يخدم عمليات العراق وفارس ويتصل بالممرات المائية والطرق الشرقية. أما الفسطاط فارتبط بفتح مصر وبالجيش الذي أقام قرب النيل ومراكز الإدارة، ثم تحولت الإقامة العسكر ية إلى مجتمع حضري يضم الجند والتجار والكتاب والسكان المحليين، ولذلك لا يصح وصفها بأنها معسكر عابر انتهى بانتهاء الحملة.

وكان توز يع القبائل في الأمصار يتم في خطط أو أحياء تحفظ الرايات والأنساب ومواقع الجند، كما تسهل معرفة من يتولى القيادة ومن يستحق العطاء ومن يخرج عند النفير. ولم يكن هذا التقسيم قبليا محضا ولا نظاما سياسيا مكتملا بالمعنى الذي ظهر في صراعات لاحقة، بل كان له غرض عسكري وإداري، إذ يحتاج القائد إلى جمع رجال القبيلة تحت رايتها وإلى معرفة قدرتها على القتال وتموينها، كما يحتاج الكاتب إلى ربط العطاء بالسجل وبالجماعة التي ينتمي إليها الجندي.