معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 128 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 128

وتفصل هذه السياسة عن الأخبار المتعلقة بإخراج اليهود من بعض نواحي جزيرة العرب، لأن الحجاز كان له وضع ديني وسياسي خاص، ولأن القرار في موضع معين لا يساوي طرد اليهود والنصارى من جميع البلاد المفتوحة. أما الشام ومصر والعراق، فكانت فيها جماعات يهودية ومسيحية واسعة، وكان استمرار الدولة محتاجا إلى إدارة وجودها وتحصيل المال منها وحماية الطرق والأسواق، لا إلى نقل حكم الحجاز إليها بلا تمييز.

وكانت الشكوى من العامل أو الجابي ممكنة من حيث المبدأ، إذ يستطيع السكان رفع مظلمة في المال أو الاعتداء أو نقض العهد، كما يستطيع الخليفة أو الوالي مراجعة ما يفرضه العمال إذا ظهر ظلم أو عجز عن حفظ الأمان. ولا تثبت كل قصة تروى في عدل عمر أو في إنصاف شخص بعينه، لكنها تتفق مع طبيعة الإدارة التي احتاجت إلى استقرار السكان وإلى منع تحول الجباية إلى سبب دائم للتمرد، ولذلك كان حفظ العهد جزءا من السياسة المالية والعسكر ية معا.

وهكذا لا تختصر علاقة عمر بأهل الذمة في صورة مثالية خالية من التفاوت، ولا في صورة قانونية متأخرة تنسب جميع القيود إلى لحظة الفتح، بل تعرض بوصفها علاقة تفاوض وحماية ومال وإدارة محلية، اختلفت من مدينة إلى أخرى ومن نص إلى آخر. فالأمان يثبت حيث تثبته العهود، والجز ية تفصل عن خراج الأرض، وحماية الكنائس تذكر بقدر ما تسمح به الروايات، والقيود التفصيلية للعهدة العمر ية تعرض مع تار يخها النقدي، وبذلك يبقى السرد قريبا من الوقائع بدل أن يفرض على القرن الأول نظاما اكتمل في عصور لاحقة.