معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 127 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 127

وكانت إيلياء من أبرز الأمثلة، إذ تروي الأخبار أن عمر أعطى أهلها أمانا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ما يتصل بعبادتهم، مع اختلاف الروايات في اسم البطريرك، وفي تفاصيل الكتاب، وفي مكان صلاة عمر، وفي مقدار الجز ية وشروطها. وتذكر بعض الأخبار أن عمر لم يصل داخل كنيسة القيامة حتى لا يتخذ المسلمون صلاته حجة للاستيلاء عليها، إلا أن تفاصيل الواقعة لا ترد بصيغة واحدة، ولذلك يثبت أصل الأمان والحرص على تحديد موضع العبادة، ولا ينقل كل تفصيل متأخر على أنه يقين.

واشتهرت في كتب الفقه والتاريخ صيغة جامعة باسم العهدة العمر ية، فاشتملت في صورتها المتداولة على قيود تتعلق ببناء الكنائس وتجديدها، وإظهار الشعائر، والزي والركوب وحمل السلاح، وإيواء المسافر، وعدم التجسس أو إعانة العدو. ويرى باحثون أن هذه الصيغة نمت بالتراكم وأن صورتها النهائية متأخرة، بينما يرى آخرون أنها حفظت عناصر من عهود أقدم، ولذلك يفرق السرد بين عهد إيلياء بوصفه وثيقة مستقلة متعددة الروايات، وبين النص الجامع الذي لا تثبت نسبته كله إلى عمر.

ولا يصح كذلك إسقاط القيود الواردة في الصيغة المتأخرة على كل يهودي أو نصراني في القرن الأول، لأن تطبيق العهود كان محليا، ولأن علاقة الدولة بأهل الحواضر الزراعية والتجار ية لم تكن مطابقة لعلاقتها بأهل الحجاز أو بالجماعات الواقعة على الثغور. وقد استمرت المؤسسات الدينية المحلية، وبقي السكان يعملون في الزراعة والتجارة والطب والكتابة والإدارة، مع دفع ما فرضه العهد أو الجباية، ومع إمكان وقوع الشكاوى والنزاعات حول المال أو الأرض أو الحماية. 127 ✦ ✦