معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 126 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 126

ولما اتسعت الدولة بقيت علاقتها بالسكان غير المسلمين من أكثر مسائل الإدارة حساسية، لأن المسلمين صاروا يحكمون مدنا وقرى كانت فيها جماعات مسيحية ويهودية ومجوسية وغيرها، ولأن استمرار الزراعة والتجارة والكتابة والطب والجباية كان يعتمد في جانب منه على أهل البلاد أنفسهم. ولم يكن هؤلاء كتلة واحدة في الوضع أو المذهب أو الثروة، بل اختلفت أحوالهم باختلاف العهد والمدينة والوظيفة وطريقة دخول الإقليم في الحكم.

وكانت العهود المحلية الأساس العملي لهذه العلاقة، فالعهد يحدد أمان الأنفس والأموال، ومكان بقاء السكان، وما يصيب الكنائس والأديرة، وما يدفع من المال، وما يلتزم به الطرفان في الحرب والسلم. وقد يتعهد السكان بعدم إعانة العدو أو بإخلاء الحامية البيزنطية، وقد يلتزم المسلمون بحماية البلدة وترك أهلها في دورهم وكنائسهم، كما تختلف العهود في مقدار الجز ية وفي الخراج وفي مؤن الجند، ولذلك لا يجوز تحو يل عهد مدينة واحدة إلى قانون عام لكل الشام ومصر والعراق.

وكانت حماية الكنائس والأملاك تظهر في عدد من صيغ الصلح، لكن قوة النصوص وتاريخ تدوينها يختلفان، فبعضها نقل في كتب الفتوح بعد قرون، وبعضها وصل بألفاظ متعددة، وبعضها يذكر حماية عامة دون تفاصيل القيود، ولذلك لا يصح أن ينسب كل بند إلى عمر لمجرد أن الرواية سمته في صدر العهد. وفي المقابل فإن نقد النصوص المتأخرة لا يعني إنكار أصل العهود أو حماية بعض دور العبادة، بل يعني أن كل بند يحتاج إلى دراسة مصدره وبيئته وزمنه.