وبذلك لم يكن التقويم مجرد تسمية دينية للسنوات، بل كان وسيلة لتنظيم الزمن السياسي والمالي والقضائي، إذ يستطيع الوالي أن يحدد مدة ولايته، ويستطيع صاحب الدين أن يعرف الأجل، ويستطيع الكاتب أن يربط العهد بمرحلة معلومة، كما يستطيع الجيش أن يميز بين مواسم الغزو والحج والجباية. ومع ذلك تبقى تفاصيل صاحب الاقتراح وتاريخ أول وثيقة ودرجة استعمال التقويم في كل إقليم مواضع اختلاف، فلا يحمل السرد رواية واحدة أكثر مما تحتمل.
وكان الحج من المجالات التي كشفت أثر اتساع الدولة، فالحجاج يأتون من المدينة والعراق والشام ومصر واليمن، وتختلف الروايات في أسماء أمراء المواسم، وفي حضور عمر أو إنابته، وفي تفاصيل خطب الحج، ولذلك لا ينسب منصب إمارة الحج إلى رجل واحد في جميع السنوات. وكان الموسم ملتقى للحجاج والولاة والقادة، فتجتمع فيه العبادة مع ظهور أخبار الأمصار، ومع مراجعة أحوال الطرق والثغور والولايات، كما كان الخليفة يستطيع أن يسمع من أهل البلاد مباشرة ما لا يصل إليه في الكتب الرسمية.
وكانت القوافل تخرج من طرق متعددة، فمنها طريق المدينة إلى مكة، ومنها طريق العراق الذي تتصل به جماعات الكوفة والبصرة، ومنها طريق الشام ومصر واليمن، ولكل طريق آباره ومنازله ومراعيه ومواطن الخطر فيه. ولم تكن هذه الطرق شبكة ممهدة بالمعنى المتأخر، بل مسارات صحراو ية تعرفها القبائل والمرشدون، وتتغير بحسب المطر والمرعى وأمن الطريق، ولذلك كان تحديد مواضع النزول والعثور على الماء جزءا من التخطيط الفعلي للموسم.