وقد وقعت الهجرة الفعلية في ربيع الأول، أما جعل المحرم أول السنة فكان ترتيبا اصطلاحيا مرتبطا بموقعه المعروف في دورة الشهور وبكونه من الأشهر الحرم، ولذلك ينبغي الفصل بين تاريخ الحدث وبين بداية السنة الحسابية. فإذا قيل السنة الأولى للهجرة، فالمقصود سنة العد التي جعلت الهجرة مرجعا لها، لا أن النبي وصل إلى المدينة في أول المحرم من تلك السنة، كما لا يصح جعل كل تاريخ يذكر المحرم دليلا على أن النظام المؤسسي كان معمولا به قبل اعتماد عمر.
كان التقويم قمريا مؤلفا من اثني عشر شهرا، واستند إلى الشهور العربية المعروفة، لكنه اكتسب بعد اعتماده وظيفة إدار ية أوسع، فصار التاريخ يثبت في الكتب والعهود وأوامر الجند وسجلات الجباية ومواعيد القضاء والعطاء. ولم يكن في زمن النبي نظام ترقيم سنوي مركزي على الصورة التي ظهرت بعد ذلك، وقد توجد إشارات إلى تسمية الأشهر أو تأريخ بعض الوقائع من غير أن يعني ذلك وجود ديوان موحد للتاريخ، ولذلك يفرق السرد بين استعمال أسماء الشهور وبين اعتماد عهد سنوي رسمي.
وترجح مصادر كثيرة أن الاعتماد الإداري وقع في نحو 17ه638/م، لكن دراسات حديثة تعيد فحص احتمال وجود استعمالات تأر يخية سابقة أو تدر يجية، كما تختلف في أول وثيقة استعملت النظام بصورة منتظمة، وفي مقدار سرعة انتقاله من المدينة إلى الولايات. والأدق أن يقال إن عمر أقر مبدأ العد بالهجرة وجعل المحرم أول السنة في مرحلة اتساع الإدارة، ثم اتسع استعمال النظام تدر يجيا حتى صار أداة مشتركة للكتب والعهود والجباية والقضاء.