معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 121 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 121

وهكذا ترك عام الرمادة وطاعون عمواس ذاكرتين مختلفتين؛ فالأول ارتبط بالجوع والغبار ونزوح البدو ووصول الميرة ومشاركة عمر للناس، والثاني ارتبط بالموت الجماعي في الشام وبفقد القادة وبالاختيار بين البقاء والانتقال. وقد صاغت الروايات اللاحقة الحدثين في لغة الصبر والزهد والشهادة والقيادة، وهي لغة تكشف طريقة تذكر المجتمع للأزمة، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة بناء عدد السكان أو كمية الطعام أو حجم الخسارة الاقتصادية، ولذلك يفصل السرد بين الذاكرة الدينية وبين النتائج التار يخية التي يمكن دعمها بالمقارنة.

ومن حاجات الدولة التي ظهرت مع اتساع الأمصار والحاجة إلى ضبط المواعيد اعتماد التاريخ الهجري، فتذكر الروايات أن كتابا وصل إلى عمر مؤرخا بشهر شعبان من غير بيان للسنة، فظهر السؤال: أي شعبان يراد، أهو الذي مضى أم الذي يأتي، واحتاجت الإدارة إلى معيار يمنع اختلاف الناس في آجال الديون والعهود والكتب. وتختلف الأخبار في نسبة اقتراح التقويم إلى أبي موسى الأشعري أو إلى غيره، وفي تفاصيل المشاورة وأسماء الحاضرين، ولذلك يثبت أصل الإشكال الإداري والدعوة إلى التنظيم دون الجزم بأن كل عبارة رويت عن المجلس محفوظة بحروفها.

وعرضت في المشاورة بدايات متعددة تصلح أن تكون أصلا للعد، فذكر مولد النبي، وذكرت بعثته، وذكرت وفاته، وذكرت هجرته، ثم رجحت الهجرة لأنها تفصل بين مرحلتين واضحتين؛ مرحلة الدعوة والاضطهاد والاستضعاف، ومرحلة قيام الجماعة في المدينة واتصال الدين بالقيادة والإدارة. ولم يكن اختيار الهجرة معناه أن أول يوم من السنة هو يوم خروج النبي أو يوم وصوله إلى المدينة، بل اتخذ الحدث أساسا للعد، ثم رتبوا الشهور على نظام يبدأ بالمحرم. 121 ✦ ✦