معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 119 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 119

وتذكر المصادر وفاة أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وشرحبيل بن حسنة وغيرهم من القادة والقراء والجند، كما تذكر أعدادا كبيرة من القتلى، ومن أشهر التقديرات رقم خمسة وعشرين ألفا، بينما تورد روايات أخرى أعدادا مختلفة. ولا يمثل هذا الرقم إحصاء ء سكانيا بالمعنى الحديث، لأن المؤرخين لم يملكوا سجلا شاملا للمدن والقبائل والجنود، كما أن بعض الأعداد قد تكون تقريبية أو مرتبطة بالجيش دون المدنيين، ولذلك يثبت السرد كثرة الخسارة ووفاة أسماء معروفة، و يعرض العدد المشهور على أنه تقدير روائي.

وكان لفقد أبي عبيدة ومن معه أثر في القيادة العسكر ية والإدارة، إذ احتاجت الدولة إلى إعادة توز يع مهام الجند والولايات والثغور، وإلى تعيين قادة أو ولاة يقومون مقام من مات، كما اضطر بعض الجنود إلى الابتعاد عن موضع الوباء أو التجمع في مناطق أقل تعرضا له. ولا يعني ذلك أن كل مدينة خلت من سكانها أو أن الأرض الزراعية توقفت كلها، لكن نقص الرجال قد يؤثر في الحراسة والزراعة والنقل والجباية، وقد يغير وزن بعض المراكز العسكر ية في الشام.

وتروي الأخبار أن عمر أراد استدعاء أبا عبيدة إلى المدينة، ثم اجتمع بالقادة في سرغ عندما بلغه خبر الوباء، وتشاوروا في الدخول إلى أرض الطاعون أو الخروج منها، فكان في المجلس من رأى البقاء ومن رأى الانصراف. وتروي الروايات أن عمر اختار الرجوع وأمر الجيش بالابتعاد عن موضع الوباء، وأن أبا عبيدة بقي مع جنده ثم مات بالطاعون، كما تتعدد صيغ الحوار بينهما وبين عبد الرحمن بن عوف وأبي موسى وغيرهما، فلا يجعل السرد كل لفظة في رواية متأخرة نص ا حرفيا للمجلس، بل يثبت أصل المشاورة واختلاف الرأي وقرار الابتعاد. 119 ✦ ✦