القوافل، فاستقبلت المدينة المؤن ووزعتها على النازحين وأهل الحضر، ولم تكن هذه المعونة هي الزكاة وحدها ولا العطاء الدوري وحده، بل إجراء طوارئ فرضته الكارثة، ثم بدأ الناس يعودون إلى البادية بعد نزول المطر وتحسن المراعي، وبقي أثر الأزمة في الماشية والأسعار والجباية والعطاء والجيش، إذ أظهرت حاجة الدولة إلى مخازن وطرق واتصال سر يع بين الولايات.
ولا ينبغي دمج عام الرمادة بطاعون عمواس في كارثة واحدة، فالأول جفاف ومجاعة أصابا الحجاز ومناطق من الجزيرة، والثاني وباء انتشر في الشام، وإن كانت حركة الجند والسكان والأزمة الغذائية تفتح مجالا للبحث في التأثير المتبادل، فلا يثبت سبب مباشر من غير دليل. وقد أدى طاعون عمواس إلى وفاة قادة وجند وسكان، وإلى إعادة توز يع الولايات والقوات، بينما أدت المجاعة إلى نزوح وتراجع إنتاج وضغط على بيت المال، فكانت آثار الحدثين مختلفة في طبيعتها، وإن اشتركا في اختبار قدرة الدولة على الإغاثة وإدارة فقدان السكان.
وكانت الآثار الاجتماعية لعام الرمادة ظاهرة في انتقال أهل البادية إلى المدينة، وفي اضطرار الحضر إلى اقتسام الطعام والماء مع وافدين لم تكن المدينة تملك لهم موردا ثابتا قبل الأزمة. وأدى اجتماع الناس إلى تغير العادات اليومية، وإلى ز يادة الضغط على الأسواق والآبار والمخازن، كما كشف تفاوت القدرة بين من يملك مالا أو ماشية وبين من فقد مورد عيشه، فصارت صلة القبيلة والقر ية والمدينة جزءا من طريقة النجاة، لا مجرد علاقة اجتماعية عابرة.