وعندما وصلت المؤن إلى المدينة لم يكن توز يعها منفصلا عن أزمة السكان، إذ كان على الإدارة أن تقدر عدد النازحين وأهل الحضر، وأن توازن بين الطعام المخزون والطعام الوارد، وأن تمنع استئثار فئة به دون أخرى. وتذكر الأخبار جمع الطعام وتوز يعه، كما تذكر استمرار الإغاثة حتى نزل المطر وتحسنت المراعي، ثم عودة كثير من الناس إلى البادية، غير أن هذه العودة لم تمح فورا آثار نقص الماشية والديون واضطراب السوق.
ولا يصح وصف كل ما أرسلته الأمصار بأنه زكاة، كما لا يصح جعلهكله من العطاء الدوري، فمعونة الطوارئ كانت تدبيرا مركزيا جمع بين موارد بيت المال وما يرسله الولاة وما يمكن توفيره من الغلال والمال والدواب. وكانت الغاية حفظ الأنفس وتخفيف ضغط المجاعة، لا إنشاء توز يع دائم بديل عن الزراعة والرعي، ولذلك تراجع الاعتماد على الإمدادات الاستثنائية بعد عودة المطر واستئناف موارد الأرض.
وبهذا تكشف قصة الشحنات أن عام الرمادة كان أزمة اتصال وإمداد بقدر ما كان أزمة مطر، إذ احتاج المركز إلى معرفة حال البادية، وإلى إرسال الكتب، وإلى تأمين الطرق، وإلى استقبال المؤن وتوز يعها، وإلى تقدير المدة التي تكفي فيها المخازن. أما الأرقام الكبيرة التي تتكرر في بعض الروايات، أو أسماء الرسل الدقيقة، أو ترتيب وصول كل شحنة، فتظل موضع اختلاف، ولا تثبت إلا بقدر ما تسنده الروايات المحددة.
كانت الإغاثة تعاونا بين المركز والأمصار، فقد كانت مصر تملك محصولا زراعيا ونظام نقل يرتبط بالنيل، وكان العراق والشام قادرين على إرسال الغلال بحسب مواسمهما وطرق