كما أثرت المجاعة في الأسواق، إذ نقصت السلع وازدادت الحاجة إلى الرقابة على البيع والاحتكار، وتضررت الماشية من نقص الماء والعلف، واضطرت قبائل رعو ية إلى تغيير مساراتها أو الاقتراب من المدن والقرى. وكان تراجع الماشية يهدد الطعام والنقل معا، لأن الإبل والغنم مورد غذائي ووسيلة انتقال، ولذلك لم تكن الأزمة جوعا بشريا فقط، بل أزمة بيئية واقتصادية امتدت إلى الرعي والأسعار والقوافل والجباية.
وتختلف الروايات في الدعاء وطلب الغيث ودور العباس وفي تفاصيل نزول المطر، كما تختلف في تحديد اللحظة التي بدأت فيها الأرض تستعيد عافيتها، لكن الأخبار تجمع على أن الأزمة انحسرت بعد عودة المطر وتحسن المراعي، فبدأ الناس يغادرون المدينة أو يعودون إلى مواطنهم، واستعادت الماشية بعض قدرتها، وانفتح الطريق أمام استئناف الزراعة والرعي. ولا يثبت من ذلك أن آثار المجاعة زالت فورا، إذ يمكن أن تبقى الديون ونقص القطعان وارتفاع الأسعار واضطراب الجباية بعد انتهاء الجفاف.
وهكذا كشفت سنة الرمادة عن اعتماد المدينة على الأمصار، وعن أهمية طرق النقل والرسل والمخازن، وعن ارتباط العطاء ببيت المال وبأمن الغذاء، كما أظهرت أن إدارة الكارثة لم تكن قرارا واحدا، بل استقبالا للنازحين وجمعا للمؤن وتوز يعا للطعام ومراسلة للولاة ومتابعة للأسواق ومشاركة شخصية من الخليفة بحسب ما تثبته الروايات. أما أرقام الوفيات والكميات الدقيقة والحوادث اليومية، فتظل مختلفة بين المصادر ولا تثبت كلها، ولذلك يذكر أصل الأزمة وآثارها وتدابيرها مع إبقاء مواضع الاختلاف ظاهرة.