معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 111 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 111

و يجب كذلك فصل البريد عن الحسبة والأسواق والقضاء؛ فمراقبة المكيال والميزان والغش تتصل بوظيفة السوق أو المحتسب، والفصل في الخصومات من عمل القاضي، وحراسة الطرق والقبض على المعتدي من أعمال الأمن، أما البريد فوظيفته الأصلية إيصال الكتاب والخبر، وقد تتقاطع هذه الوظائف في الواقع حين يحمل الرسول شكوى أو ينقل أمرا قضائيا أو يساعد الحرس، لكنها لا تصبح وظيفة واحدة لمجرد اجتماعها في إدارة المدينة.

وبهذا يظهر أن عهد عمر شهد حاجة متزايدة إلى الاتصال والرقابة بسبب اتساع الدولة، وشهد ممارسة العسس والحراسة والرسل والكتب ومتابعة أخبار الولاة، لكنه لم يورثنا دليلا كافيا على جهاز بريدي أو شرطي مكتمل بالمعنى الذي تصفه مصادر الدولة الأمو ية والعباسية. ومن ثم يذكر السرد البدايات والأدوات المتاحة في زمنها، ثم يتابع تطور صاحب البريد وصاحب الشرطة في العصر الأموي، من غير أن ينسب المؤسسة اللاحقة كلها إلى الخليفة الراشد.

ثم أصابت الحجاز والجزيرة أزمة جفاف ومجاعة عرفت في الروايات بعام الرمادة، وتختلف المصادر في بدايتها، فبعضها يربطها بسنة 18ه، وبعضها يجعل بدايتها في أواخر 17ه واستمرارها نحو تسعة أشهر، كما تختلف في مقدار أثرها وفي عدد من ماتوا بسببها، ولذلك لا تحول العبارات الأدبية عن السواد والرماد إلى قياسات مناخية دقيقة، وإنما يثبت انحباس المطر وتراجع المراعي ونفوق الماشية وارتفاع الحاجة، ونزوح أهل البادية إلى المدينة، واضطراب العلاقة بين الحضر والقبائل التي كانت تعتمد على الرعي.