معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 85 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 85

جزءا من الصراع، فالقافلة تحمل مالا وأخبارا ووسيلة ضغط، والسر ية تحمل رسالة بأن المدينة لا تزال تراقب ما يمر حولها، ومن ثم لا يصح اختزالها في مقدار ما أخذته أو لم تأخذه، بل تروى في سياق حماية الجماعة وإضعاف قدرة من يستعد لقتالها. ثم وقعت حادثة كعب بن الأشرف، وكان من بني النضير، وثبت في صحيح البخاري خبر خروج رجال من الأنصار إليه بعد أذاه وتحر يضه، فانتهت الحادثة بقتله، أما الأشعار والحوارات والتفاصيل المطولة فتحتاج إلى فصل الثابت عن الأخبار التي انفردت بها بعض كتب المغازي، ولا يصح أن تسرد كل ز يادة على أنها جزء من الحديث الصحيح، لكن أصل أذاه وتحر يضه وخروج الرجال إليه ثابت في سياق الرواية الصحيحة. انتقلت المدينة في هذه المرحلة من جماعة مهاجرة تحاول البقاء إلى مجتمع منظم يملك قيادة وجيشا وعهودا، ومرت بأحداث السرايا والعهود وبدر والغارات والإجلاء، فكان كل حدث يكشف جانبا من بناء الدولة، ولم يكن كل خروج معركة فاصلة، بل كان بعضه حماية للمراعي، وبعضه مراقبة للقوافل، وبعضه عقد عهد، وبعضه منعا لغارة، ثم جاء امتحان أحد، فواجهت المدينة جيش قريش في معركة أكبر، وظهرت فيها آثار الطاعة والمخالفة والثبات والابتلاء، ولم يكن الانتقال من بدر إلى أحد انتقالا من نصر إلى نصر بلا مقاومة، فقد بقيت قريش تحمل أثر الهزيمة، وبقيت المدينة تتعلم كيف تحمي أطرافها وأسواقها وعهودها، وصارت كل سر ية وغزوة تزيد خبرة القادة والجنود وتكشف مواطن القوة