معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 686 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 686

وكانت ثورات البربر في الأندلس بعد قيام الإمارة قد نشأت من آثار الثورة المغربية ومن مشكلات الأرض والجباية والقيادة ومن التنافس العربي والمحلي، وظهرت في مناطق الشمال والغرب والجنوب بدرجات متفاوتة، فتارة حملت سلاحا وتارة دخلت في حلف أو طاعة، وواجهها الداخل بالحملة والتفاوض والعطاء وبناء جيش مركزي، كما بقي البربر عنصرا في الجيش والسكان والدولة، فكان أثرهم في الإمارة أوسع من صورة التمرد وحدها، وظلت نتائج تلك الحركات حاضرة في توز يع القوات والإدارة والثورات اللاحقة.

وكانت طليطلة من أقدم مراكز الأندلس وأشدها اتصالا بالطرق التي تصل الوسط بالشمال، كما أن موقعها على نهر تاجه ومكانتها السابقة جعلتاها قادرة على أن تؤثر في حركة الجند والتجارة والرسل، ولذلك لم يكن إخضاعها تابعا تلقائيا لدخول قرطبة، بل كان يحتاج إلى حملات وتفاهمات وضمانات. وكانت المدينة تضم مسلمين ومسيحيين ونخبا محلية وأسرا لها مصالح قديمة، كما كان فيها جند وقادة يستطيعون التأثير في قرارها، فلم يكن سكانها كتلة واحدة في موقفها من الإمارة.

وكانت طليطلة قد عرفت منذ الفتح تحولات في النخب والسلطة، فدخلت فيها أسر عربية وبربر ية، واستمرت فيها جماعات مسيحية محلية، كما بقيت للمدينة تقاليد استقلال ومكانة عسكر ية، ولذلك كان العامل المحلي قويا في كل اضطراب. ولم يكن اعتراض أهلها على قرطبة ناشئا بالضرورة من سبب واحد، فقد يدخل فيه الخوف من العامل الجديد، أو الرغبة في حفظ نفوذ الأسرة، أو النزاع على الجباية والعطاء، أو الصراع بين الجند، أو رفض أن تتحول المدينة إلى ولاية تابعة لعاصمة بعيدة. 686 ✦ ✦