معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 672 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 672

المؤن، ولذلك كان العمران مرتبطا بقدرة الداخل على تثبيت الأمن. ولم يكن ازدهار المدينة في هذه المرحلة منفصلا عن قسوة الحملات التي وفرت لها موارد الدولة.

وكانت المصادر الأندلسية المتأخرة تصف قرطبة أحيانا بصورة مدينة عظيمة مكتملة، فتجمع أخبار قصورها وأسواقها وجوامعها في سرد واحد، بينما تبين الآثار أن المدينة مرت بطبقات نمو متتابعة، ولذلك تقارن أخبار ابن حيان والرازي وابن القوطية والمقري بالدراسات الأثر ية وتخطيط المدينة. و يظهر من المقارنة أن كثيرا من مظاهر الازدهار التي اشتهرت بها قرطبة ارتبطت بالإمارة المتأخرة والخلافة، لا بالسنوات الأولى وحدها.

وكان تثبيت قرطبة عاصمة يعني أن الإمارة لم تعد مجرد تحالف عسكري حول أمير هارب، فاستقر فيها القصر والحرس والديوان والجامع، وانتظم منها إرسال العمال والقضاة والشرطة، وتوسعت الجباية والعطاء، ونظمت الحاميات والطرق، وأصبحت الحملات إلى إشبيلية وطليطلة وسرقسطة وقرمونة والثغور جزءا من صناعة مركز فعلي، مع بقاء اختلاف قوة السلطة من إقليم إلى آخر. وبذلك تحولت المدينة في عهد عبد الرحمن الداخل من مركز إقليمي إلى قلب دولة أمو ية جديدة، دون أن تنسب إليها كل صور الازدهار العمراني التي ظهرت في القرون التالية.

وكان الصراع بين القيسية واليمنية في الأندلس امتدادا لتنافس أقدم في المشرق، غير أن انتقاله إلى شبه الجزيرة الإيبير ية لم يكن نقلا آليا لأسماء القبائل ومواقفها، لأن العرب الذين استقروا في الأندلس دخلوا في ظروف جديدة تتصل بالأرض والولايات والعطاء والقرب