معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 295 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 295

لم تنشأ دولة منفصلة عن كل ما سبقها، بل استمرت دواوين وطرائق جباية ومراسلات ومؤسسات عسكر ية موروثة، ثم أعيد توجيهها لخدمة مركز أموي أكثر تماسكا.

وكانت الشام قاعدة معاو ية قبل الخلافة بمدة طويلة، فقد أتاح له ذلك معرفة مدنها وأجنادها وطرقها ومواردها ورجالها، كما أتاح له بناء علاقة مباشرة مع القبائل التي شاركت في الدفاع عن الثغور والحملات البيزنطية. ولم يكن الجيش الشامي مجرد تجمع قبلي عابر، بل صار مع الوقت قوة ذات قيادة وإدارة وعطاء وذاكرة مشتركة، وهو ما جعل دمشق قادرة على دعم معاو ية في مواجهة خصومه ثم في إدارة الدولة بعد الصلح.

وتداخلت في الشام قبائل وتحالفات ومصالح، فاحتاج معاو ية إلى موازنة الولاءات القبلية وإلى توز يع المناصب والعطاء والقيادة بحيث لا تتحول المنافسة إلى انقسام عسكري. وتختلف الروايات في أسماء القبائل المؤثرة وفي وزن كل حلف وفي مقدار استقلال القادة، لكن الاتجاه العام يبين أن قوة الدولة الأمو ية الأولى قامت على تفاوض مستمر بين المركز والقبائل لا على جهاز بيروقراطي مكتمل بالمعنى اللاحق.

وكانت دمشق مركزا سياسيا وإداريا بحكم موقعها وخبرة الولاية فيها، بينما ظلت الكوفة والبصرة ومصر والمدينة ومكة مراكز إقليمية لها جند ومال وقيادات وذاكرة سياسية. ولم يعن انتقال العاصمة أن هذه المدن فقدت دورها، بل أصبحت مرتبطة بمركز دمشق عبر الولاة والكتب والجند والجباية، مع استمرار قدرة بعض الأقاليم على المقاومة أو التفاوض أو التأثير في القرار.