وبذلك ظهرت الخوارج في أعقاب التحكيم من جماعة اعترضت على تحكيم الرجال ورددت شعار «لا حكم إلا لله»، ثم خرج قسم منها إلى حروراء قرب الكوفة، وتعددت قياداتها وأعدادها ومراحل انفصالها، وحاول علي وابن عباس أو غيرهما محاورتها وإرجاع من أمكن إرجاعه. وتبقى وقعة النهروان وتفاصيل القتال والنتائج اللاحقة لمهام مستقلة، بينما يثبت هذا السياق أن النشأة الأولى لم تكن لحظة واحدة مكتملة، بل انتقالا تدر يجيا من احتجاج على وثيقة التحكيم إلى جماعة ذات تصور ديني وسياسي مستقل.
ولم يبق الخلاف في حروراء على صورة احتجاج كلامي، إذ تذكر الروايات أن قسما من الخارجين انتقل إلى اعتراض الناس وقطع الطرق وسفك الدماء، وتنسب إلى بعضهم قتل عبد الله بن خباب بن الأرت وامرأته أو الاعتداء على مسافرين، كما تذكر أخبارا عن أسئلة في العقيدة والولاء وعن معاملة من لا يوافقهم. وتختلف هذه القصص في أسانيدها وتفاصيلها، فلا تجعل كل جزئية منها يقينية، لكن ورود أخبار متقاربة عن انتقال جماعة من الاعتراض إلى العمل المسلح يفسر تغير موقف علي.
وكان عبد الله بن خباب من الشخصيات التي ارتبطت بقصة التصعيد، فتروي الأخبار أن الخوارج سألوه أو اعترضوا طريقه، ثم اختلفوا معه في الموقف من علي والتحكيم، وأن قتله أو قتل من كان معه صار سببا في تأكيد أن الخلاف لم يعد قابلا للإدارة بالرسائل وحدها. وتختلف الروايات في مكان الحادثة وتفاصيلها وفي صلة زوجته بها وفي العبارة التي قيلت، ولذلك يثبت أصل ورود القصة في مصادر الفتنة، و يفصل بين أصل القتل وبين التفاصيل التي زيدت في السرد اللاحق. 260 ✦ ✦